الشّقي ابن المخيم

485299_469198353154028_1344418585_n

 

سأحاول أن لا أكتب بشكل رومنسي. أعشق أخي الذي يصغرني بسنتين فقد عشت معه تفاصيل طفولتي التي ما زلتُ أعيشها حتي هذه اللحظة. لم أذكر أننا نادنيا عليه يوما بإسمه الحقيقي فنُفضّل دائما أن نجد له لقب (اسم دلع ) يليق بكل مرحلة في حياته حتي لا يتمسخر عليه أصدقائه وجيراننا. أطلقنا عليه العديد من أسماء الدلع منها ” ميدا , حمودة , حمادة ” وغيرها والآن رسينا علي “ميدا ” رغم عدم مناسبته للمحيط الاجتماعي من حوله وربما حولنا. لا أستطيع إنكار احساسي بالغيرة حينما يقولون أن ميدا هو ” آخر العنقود والدلوع “. كنت أتخيل في صغري أن لو لم يأتِ ميدا لكنتُ أنا الأكثر دلالاً ودلعاً منه. أنا وميدا كنا ننتظر شهر رمضان علي أحر من الجمرِ حتي نحتفظ بمصروفنا اليومي لشراء سلك جلي وقنابل بسيطة , نسهر ليالي رمضان شوقا لمجئ العيد, نستيقظ الساعة الخامسة صباحا من كثر حبنا للمدرسة فقد أذكر في مرة من المرات أن ذهبنا إلي المدرسة قبل البواب فانتظرناه لمدة ساعة حتي يفتح لنا باب المدرسة, نعيش في نفس الغرفة لوقت ما قبل سفري الي تركيا,و نضرب بعضنا البعض مستخدمين المكانس والقشّاطات و الأدوات الحادة في وقت اختلافنا. ميدا هذا الطفل الذي ننسب دلعه إلي دراسته المرحلة الابتدائية في مدرسة مختلطة في مخيم جباليا للاجئين, يكره الدراسة فحين يأتي وقت الدراسة ستسمع هذه العبارات ” يمّا,بدي أروح عالحمام, بدي آكل , صاحبي كلّمني, زهقت” وغيرها من الحجج , يعشق الأعمال المهنية حيث يفتح ورش تصليح دراجات هوائية و تصنيع طائرات ورقية وغيرها في حديقة المنزل, يكره الجلوس في مكان ما لمدة طويلة, يحب المشاركة في انطلاقة أي حزب وطني لاقتناعه التام بأن كل الأحزاب واحد وذهابه لمثل هذه المهرجانات سيساعد في التحام شعبنا المنقسم. ميدا هو فرد العائلة الذي نفتقده دائما في حال غيابه ولا نتحمل عدم وجوده في البيت اذا غاب. ميدا ربما الأذكي في إخوتي لكنه دائما يحصل علي أدني العلامات وذلك لأنه مثل الزنبرك دائم الحركة والحيوية. ميدا ذاك الشخص العصامي الذي بدأ العمل هنا وهناك والاعتماد علي نفسه منذ طراوة أصابعه. ميدا الشخص الذي لا يرد طالباَ للمساعدة فيُلبّي الطلب ولا يتردد في تقديمها حتي في أواخر الليل. ميدا الذي يملك أقوي العلاقات الاجتماعية مع الجيران والأقارب والأصدقاء ويتعامل معهم كإنهم وُلِدوا من نفس البطن. ميدا هو الوحيد الذي يتعامل مع بابا كإنه أخيه أو صديقه فدائما يتشاكسان ويتجادلان بدون تعب. ميدا هو الشخص العفوي الكاسر لحاجز الخجل والعيب. ميدا هو ذاك المراهق الذي يقضي ساعات أمام المرأة قبل خروجه إلي أي مكان ليظهر في أجمل صورة. ميدا هو الكاسر لتعقيدات الذكورية في مجتمعنا فيجلي ويطبخ ويغسل ويشطف ويكنّس. ميدا شخص بسيط جداً فهو علي عكس منّا ليس له نشاط جاد وواضح بالقضايا المعاصرة في هذا العالم. ميدا الطفل الذي يإمكاني أن أطلق عليه بشكل رسمي ” ابن مخيم جباليا ” ربما لا يعرف معني الليبرالية والعلمانية واليسارية والثورية والنسوية وغيرها من المصطلحات الرومنسية الكاذبة في هذا العصر. أُفكر كثيراً في أفعاله وأقواله فأجده هو الأكثر تقدما وانفتاحا فينا. ميدا هو الوحيد منّا الذي لم يخرج من حدود هذا السجن الصغير الكبير ولكن عندما قّلت له لا أريد لبس حجاب الرأس فأنا غير مقتنعة به بتاتا فغمز لي وقال ” اضربِ كَّفّك, إنت قلق “. ميدا هو القلق والحريقة كمان فهو لم يكذب علينا كما يكذب الآخرين بنعت أنفسهم بإنهم تقدميين وديمقراطيين ونسويين وغيرها.

في النهاية وبغض النظر عن الموضوع يسعدني أن أُبشّر نفسي بأن كل محاولاتي للكتابة رومنسية وعاطفية للغاية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: